التنظيم الإداري في الإسلام
يُعد التنظيم الإداري من الوظائف الأساسية للإدارة بشكل عام، إذ يهتم بتقديم الوسائل التي تضبط عمل الفرد سواء بصفة فردية أم جماعية، والتي من خلالها يستطيع توفير الجهد وزيادة الفعالية، كما يعد التنظيم أداة من أدوات الإدارة التي تُستخدم من أجل ضمان تحقيق الأهداف.
تعريف التنظيم الإداري:
تعددت التعاريف للتنظيم الإداري بتعدد الباحثين والكاتبين في هذا المجال، حيث عرفه فرناس البنا (1985) بأنه "ترتيب جهود بشرية جماعية لتحقيق هدف مشترك بفاعلية وكفاءة".
وقد عرفه الدكتور إبراهيم المنيف بأنه "ذلك الجانب من العملية الإدارية الذي يختص بتحديد الأعمال والأنشطة اللازمة لتحقيق أهداف المنظمة وتنظيمها في إدارات ودوائر ووحدات وأقسام في ضوء تحديد العلاقات التي تنشأ بين الأنشطة والقائمين عليها على كافة المستويات وفي كل الاتجاهات".
أما مارشال ديموك وآخرون فقد عرفوا التنظيم بأنه "التجميع المنطقي للأجزاء المترابطة لتكوين كل موحد تمارس من خلاله السلطة والتنسيق والرقابة لتحقيق غاية محددة".
ومن خلال هذه التعاريف يمكن النظر إلى التنظيم من خلال اتجاهين هما:
أولاً: الاتجاه الكلاسيكي أو التقليدي: وهو ينظر إلى التنظيم باعتباره:
1. هيكل بنائي نموذجي يهتم في المقام الأول بالبناء الرسمي للمنظمة وتنسيق الأعمال فيها بواسطة استخدام السلطات والصلاحيات المقررة في التنظيم، فالهيكل يعبر عن توزيع المهام والاختصاصات بين أجزاء المنظمة والعاملين من ناحية، ويعكس خطوط الاتصالات والاتجاهات بين تلك الأجزاء من ناحية أخرى.
2. وعليه فإن بناء الهيكل التنظيمي يتطلب إنشاء الوظائف وترتيبها وشغلها بالعاملين بما يعنيه ذلك من اختيار وتدريب وتقييم للوظائف وفصل للعاملين...إلخ .
3. هيكل أساسي وضروري لتوحيد جهود الأفراد من أجل تحقيق هدف المنظمة، إذ بدونه لا يمكن بلوغ الأهداف المنشودة.
4. لتجميع الأجزاء المرتبطة وصياغتها في شكل هيكل موحد يساعد على ممارسة السلطة والمسؤولية والتنسيق والرقابة لتحقيق الهدف.
ثانياً:الاتجاه السلوكي في التنظيم: وينظر إلى التنظيم باعتباره:
1. أن المنظمة تنبثق أساساً من حصيلة التعاون بين الأفراد الذين تربطهم مجموعة من الحاجات والاهتمامات.
2. أن الأفراد تحكمهم عوامل متعددة تؤثر في سلوكهم، وبالتالي يجب مراعاتها والأخذ بها عند تصميم الهيكل التنظيمي.
3. بالإضافة إلى الاتجاهين السابقين، هناك اتجاه ينظر إلى التنظيم على أساس أنه وحدة متكاملة تشكل في مجموعها نظاماً واحداً يجب التعامل معه كوحدة واحدة.
والاعتقاد السائد أن النظرة إلى التنظيم يجب أن تأخذ في الاعتبار جميع الاتجاهات السابقة، فهو شكل بنائي يحدد الوظائف الأساسية للعملية الإدارية والأساليب المستخدمة فيها، كما أنه في الوقت نفسه يمثل تجمعاً إنسانياً تحكمه مجموعة من العلاقات والتصرفات النابعة من البيئة التي يعمل الأفراد في ظلها، وأخيراً فهو نظام مفتوح يتفاعل مع الأنظمة البيئية المحيطة، يؤثر ويتأثر بها.
أهداف التنظيم الإداري:
1. انجاز الأهداف المطلوبة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المادية والمعنوية.
2. تحقيق التعاون والانسجام والتكامل بين مختلف مكونات المنظمة.
3. تحديد المسؤولية وتطبيق مبدأ المساءلة عن الأعمال والتصرفات.
4. تحديد قنوات الاتصال والربط بين أجزاء المنظمة.
5. تحديد علاقات السلطة والمسؤولية بين الرؤساء والمرؤوسين.
6. تحديد علاقات السلطة والمسؤولية بين الرؤساء والمرؤوسين والزملاء في نفس المستوى الإداري.
مبادئ التنظيم:
1. مبدأ وحدة الهدف.
2. مبدأ التخصص.
3. مبدأ وحدة الأمر (القيادة).
4. مبدأ نطاق الإشراف.
5. مبدأ تكافؤ السلطة والمسؤولية.
6. مبدأ تفويض السلطة.
7. مبدأ المركزية واللامركزية.
أنواع التنظيم الإداري:
1. التنظيم الرأسي: يرتكز على قاعدة التدرج الهرمي، حيث يمثل الرئيس قمة الجهاز الإداري وتصدر منه التعليمات والقرارات إلى باقي الرؤساء بالمنظمة، وبمقتضى هذا التنظيم تتسلسل المستويات الإدارية في خط تنازلي لا ينقطع، مما يساعد على وحدة الأمر ووضوح خطوط السلطة والمسؤولية، ويصبح الرئيس الأعلى هو مصدر السلطة وإليه ترجع كل الأمور.
2. التنظيم الاستشاري: ويرتكز على الاستعانة بالاستشاريين وفي هذا النمط قد تتجه السلطة من أسفل إلى أعلى، حيث إن الجهة الاستشارية تمتد سلطتها إلى الإدارة العليا، إلا أن هذه السلطة ليست سلطة آمرة، بل هي سلطة تأثير ونفوذ.
3. التنظيم الوظيفي: ويرتكز على التخصص وتقسم العمل، وتُستمد السلطة فيه من الخبرة والمعرفة الدقيقة بجوانب الوظيفة التي شغلها الفرد، ولذلك تسمى سلطة وظيفية، وبقدر أهمية الوظيفة تتحدد السلطات الممنوحة لشاغلها.
التنظيم الإداري في الإسلام:
لقد فشلت النظريات الحديثة للتنظيم الإداري في تفسير العمل الإداري والتصدي للمشاكل السلوكية داخل المنظمة، ويعود ذلك لسببين رئيسيين:
الأول: عدم ربط المنظمة الإدارية بالبيئة الاجتماعية التي تؤثر وتتأثر بها تلك المنظمة
الثاني: أن تلك النظريات ركزت على جزئيات صغيرة في تحليلها لما يجري داخل المنظمة متجاهلة متغيرات رئيسية في التنظيم والسلوك الإنساني.
من الواضح أن تلك النظريات قد درست الفرد بمعزل عن العقيدة، ولذلك فإن هذه النظريات قد فشلت في إشباع الجوانب التي تشبعها العقيدة في النفس الإنسانية، وهذا ما يؤكد نجاح التنظيم الإداري في الإسلام في الوقت الذي عجزت فيه مدارس التنظيم الأخرى عن الوصول إلى منهج راسخ في التنظيم الإداري.
إن الدارس لأسلوب التنظيم الإداري في الإسلام يدرك عظمة ذلك الأسلوب وأنه يتضمن من المبادئ الثابتة والأسس العلمية العملية ما يكفل تحقيق غايات التنظيم في كل المنظمات وفي مختلف الأزمنة، كما ويلاحظ أيضاً أن تاريخ التنظيم الإداري في الإسلام يؤكد على هذه الحقيق بشواهد عملية تطبيقية تتضمن ما توصل إليه المسلمون من بناء تنظيمات إدارية قوية ذات أهداف واضحة.
وفي الصفحات التالية سوف نستعرض بعضا من تلك الشواهد العملية التي تؤكد عظمة التنظيم الإداري في الإسلام.
مفهوم التنظيم الإداري في الإسلام:
الإسلام كما هو الحال في معالجته لكثير من الأمور الدنيوية وضع مبادئ وأصول عامة تواكب ظروف كافة المجتمعات والأزمنة ولم يفرض تنظيماً إدارياً محدداً.
عرف الدكتور فرناس البنا التنظيم الإداري الإسلامي بأنه "البناء التنظيمي المطبق في الدولة الإسلامية، والقائم على كتاب الله وسنة رسول الله r والذي يهدف إلى تحقيق هدف شرعي في ظل ظروف إنسانية".
لكن يُعاب على هذا التعريف أنه قصر التنظيم الإداري الإسلامي في البناء المطبق في الدولة الإسلامية، في الوقت الذي يتسع فيه الفكر الإداري الإسلامي ليتضمن كل أمر لا يتعارض مع الإسلام حتى ولو لم يطبق في عصور الإسلام الأولى، وعليه فإنه يمكن تعريف التنظيم الإداري في الإسلام بمفهومه العام بأنه "وظيفة إدارية تهدف إلى تحقيق أغراض شرعية وتعمل على تنسيق الأنشطة والجهود وتحديد العلاقة بين أعضاء المنظمة في إطار ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة".
خصائص التنظيم الإداري في الإسلام:
1- مشروعية الهدف ومشروعية الوسائل:
لا يقتصر مفهوم التنظيم الإداري في الإسلام على تحديد الهدف، بل يشترط أن يكون الهدف مشروعاً ولا يتعارض مع مبادئ الدين الإسلامي، فبالإضافة إلى الهدف الأول من خلق الإنسان وهو عبادة الله وحده، فإن هناك أهدافاً أخرى عظيمة مثل تعمير الأرض والخلافة فيها وحفظ الدين والنفس والمال والعقل، وكل ما يتمشى مع مقاصد الشرع في جلب المنافع ودفع المضار، كما يشترط الإسلام استخدام الوسائل الشرعية التي تؤدي للوصول إلى الهدف.
2- التنظيم الإداري الإسلامي ذو أصول شرعية:
بمعنى أن جميع مبادئ التنظيم الإداري في الإسلام متمشية مع ما جاء في القرآن والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين مثل مبدأ الطاعة بالمعروف، ومبدأ الشورى، ومبدأ تحديد المسؤولية..إلخ.
3- مرونة التنظيم:
فالإسلام ترك للمسلمين حرية التنظيم لما يتناسب وظروف المجتمع في كل زمان ومكان على أن يكون في إطار الشرع الحكيم، وفي هذا الصدد يشير الأستاذ محمد جاهين إلى أن التنظيم الإداري الإسلامي يقوم على مبادئ كلية وعامة شأنه شأن النظام الإسلامي الذي يتفرع عنه ويدخل فيه، وهو لذلك يكتسب منه خاصية المرونة والقابلية التي يتمتع بها النظام الإسلامي الذي تعكسه شريعة الله الخالدة وتلك الخاصية تسير جنباً إلى جنب بجوار عنصر الثبات".
المبادئ الأساسية للتنظيم الإداري في الإسلام:
1- التدرج الأساسي:
أقر الإسلام هذا المبدأ تحقيقاً لمصلحة المنظمة وأفرادها، ولغرض تحقيق أهداف مشتركة، وعليه فإن التدرج الأساسي في الإسلام لا يستند إلى وضع طبقي تسلطي في المجتمع الإسلامي، بل يستند إلى درجة المعرفة ومدى فنية العمل نظراً للتفاوت بين الأفراد في القدرات والمدارك العقلية، وهو ما يبينه قوله تعالى "نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم" ، وقوله "انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض.."، وقولهr: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم..".
2- توازن السلطة والمسؤولية:
عرف "فايول" السلطة بأنها الحق في إصدار الأوامر والقدرة على الحصول على الطاعة، أما "سيمون" فقد عرفها بأنها القدرة على اتخاذ القرارات التي توجه تصرفات طرف آخر
ويمكن تعريف السلطة حسب المفهوم الشرعي بأنها مجموعة من الحقوق التي يخولها المنصب أو الوظيفة لشاغلها والتي تعطي له الحق في إصدار الأوامر أو التعليمات لآخرين أقل منه في المستوى الإداري، ولهذا جرى العرف على اعتبار السلطة مرتبطة بالوظيفة لا بالموظف، وبقدر ما تحوي الوظيفة من واجبات ومسؤوليات تحتاج إلى سلطة رسمية للوفاء بهذه الواجبات، وأي تغيير يطرأ على هذه الواجبات يتطلب الأمر تغييراً متوازياً في السلطات.
وقد وضع الإسلام بعض القيم التي تحكم وتنظم السلطات منها:
1. السلطة في الإسلام لا تمارس إلا في ضوء أحكام الله وسنة رسوله، ومن هنا فهي ليست شخصية، كما أنها لا تعني التسلط على المرؤوسين، وهي في نفس الوقت لأولي الأمر الذين أوجب الله طاعتهم، يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
2. السلطة في الإسلام توجب حق الطاعة للولي مادام ملتزماً بمنهج الله ويعمل لمصلحته، ويعبر عن ذلك أبو بكر الصديق حين يقول في خطبة الخلافة "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".
3. السلطة في الإسلام لا تعرف الطاعة العمياء، بل الطاعة المحكومة بقيم الإسلام عملاً بقول النبي : "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
4. الطاعة بقدر الاستطاعة، حيث يقول الله تعالى "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".
مبدأ تكافؤ السلطة والمسؤولية يعني أن تكون الأولى بقدرى الأخرى، ويتضح هذا المبدأ في الإسلام بشكل واضح، وذلك عندما كلف الخليفة أبو بكر رضي الله عنه أسامة بن زيد قيادة الجيش في حرب الروم، ومنحه السلطة المطلقة في إدارة الجيش، ولم يستطع أبو بكر بعد ذلك أن يستبقي عمر بن الخطاب (وقد كان عمر أحد جنود أسامة) لمعاونته في إدارة شؤون المسلمين بالمدينة إلا بعد أن استأذن أسامة بوصفه القائد المسئول عن الجيش وله السلطة المطلقة عليه فقال: "إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل"، فاستجاب أسامة لطلب الخليفة.
3- تفويض السلطة:
تفويض السلطة إجراء قانوني يتعهد بموجبه صاحب الاختصاص أن يتنازل عن جزء من اختصاصه إلى آخر في مستوى إداري أقل على أن يمارس الاختصاص في حدود النص، ويبدأ التفكير في هذا الإجراء عندما يزيد حجم العمل وتشعر جهة اتخاذ القرار بكبر الضغط الواقع عليها وبطء أداء العمل.
ولقد عرف النظام الإسلامي تفويض السلطة منذ عصر الرسول إذ استخلف بعض أصحابه في إدارة المدينة أثناء غيابه مثل استخلافه سباع بن عرفطة الغفاري عندما سار إلى خيبر، كما أناب بعض أصحابه في قيادة السرايا أثناء الفتوحات، وبعث عماله لجمع الصدقات.
واتسع نطاق تفويض السلطة في عهد الخفاء الراشدين، ويؤكد ذلك ما قاله عمر بن الخطاب : "ما كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا، وما غاب عنا ولينا فيه أهل القوة والأمانة، فمن يحسن نزده، ومن يسيء نعاقبه، ويغفر الله لنا ولكم" ، إلا أن أسس تفويض السلطة تبلورت بوضوح في العصر العباسي.
وتحكم عملية تفويض السلطة في النظام الإسلامي بعض القيم منها:
1. التفويض يجب أن يتضمن تحديد الاختصاصات، ومن أمثلة ذلك: كتاب هارون الرشيد ليحيى ابن خالد البرمكي الذي يقول فيه: "قد قلدتك أمر الرعية وأخرجته من عنقي فاحكم في ذلك بما تراه من الصواب، واستعمل من رأيت واعزل من رأيت، واقض الأمور على ما جرى".
2. التفويض لا يسقط حق المفوض في الإشراف والمتابعة والرقابة، ولقد اهتم الرسول بمبدأ الإشراف والمتابعة على ولاته، وفي هذا يقول: "أما بعد.. فإني استعمل الرجل منكم العمل فيما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا الكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أمه وأبيه حتى تأتيه هديته"، ويقول عمر ابن الخطاب : "أرأيتم لو أني وليت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل أأكون قد قضيت ما علي؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: لا، حتى أنظر في عمـله، أعمل بما أمرته أما لا".
3. يجب أن يكون المفوض أهلاً لتولي المسؤولية، ويجب أن تتوافر فيه كل الشروط المطلوبة في المفوض، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حينما طلب الولاية: "إني أحب لك ما أحب لنفسي، وإني أراك ضعيفاً فلا تأمرن على إثنين ولا تولين على مال يتيم".
4. التفويض لا يعني تفويض المسؤولية، إذ أن مسؤولية المفوِّض عن أعمال من فوضه تبقى قائمة، ولقد كان لعمر بن الخطاب ولاة في كل الولايات، لكنه كان يعتبر نفسه مسئولاً عن كل ما يحدث في أرجاء الدولة الإسلامية، وفي ذلك يقول قولته المشهورة: "لو أن بغلة عثرت في العراق لسألني الله عنها، لمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر".
5. التفويض لا يتم إلا إذا كان المكلف بالعمل غير قادر على القيام به، ويجوز له الاستخلاف جزئياً فيما لا يقدر عليه، أما إذا كان وقت المكلف بالعمل وامكانياته تسمح له بتنفيذه فلا يحق له التفويض.
لقد تحدث الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية عن رئاسة الدولة وأوضح واجبات الإمام العامة التي فيها تفويض الأعمال لنصحائه ولذوي الكفاية والأمانة ومتابعة المفوض إليه، كما أنه أجاز للعمال أن يستخلفوا في بعض اختصاصاتهم وتحت إشرافهم ومسؤولياتهم.
4- التخصص وتقسيم العمل:
التزم المسلمون بهذا المبدأ، حيث تولى عثمان ابن عفان وعلي ابن أبي طالب أيام الرسول كتابة الوحي، وكان يقوم بهذه المهمة في أثناء غيابهما أُبي بن كعب وزيد بن ثابت، وتولى الزبير بن العوام وجهيم بن الصلت كتابة أموال الصدقات، وتولى المغيرة بن شعبة والحسن بن نمر كتابة المعاملات بين الناس وتوثيقها، وكان زيد بن ثابت يعد الكتب إلى الملوك والزعماء..
وبعد الرسول استعان أبو بكر بالصحابة فوزع عليهم الأعمال، فاسند إلى عمر بن الخطاب مسؤولية القضاء، وإلى علي الإشراف على أسرى الحرب، وأسند أمانة بيت المال إلى أبي عبيدة بن الجراح.
والتزم عمر بن الخطاب بهذا المبدأ، ونستدل على ذلك بقوله: "أيها الناس من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت إلى أُبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت إلى زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت إلى معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني خازناً وقاسماً".
وإلى جانب ذلك فإنه قد وضع تقسيم العمل في الدواوين فأنشأ ديوان الخراج، وديوان الجند، وغيرها.
5- وحدة الأمر "القيادة"
ويعني أن الفرد يجب يتلقى الأوامر من شخص واحد فقط وهو رئيسه المباشر حتى لا يحدث التضارب والتنازع، وعلى هذا ينبهنا القرآن حيث يقول تعالى"ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون".
إن الهدف الأساسي لهذا المبدأ ألا يستبد كل فرد برأيه ويتصرف تبعاً لهواه مما يوقع الضرر بنفسه وبالجماعة التي هو عضو منها، وإذا كانت ضرورات التنظيم أن يؤمر المسافرون عليهم واحداً منهم فإنه ألزم واشد ضرورة في المنظمات التي ترعى مصالح الجماعة المسلمة.
6- الشورى:
الشورى من المبادئ العظيمة التي أقرها الإسلام، وأمر الله نبيه أن يأخذ بها فقال تعالى: "وشاورهم في الأمر". وقد كان النبي كثير الاستشارة لأصحابه كما حدث في بدر وأحد وغيرها، كما أثنى الله على المؤمنين بقوله (وأمرهم شورى بينهم) . بالإضافة إلى أن النبي قد شكل مجلساً للشورى يتألف من أربعة عشر نقيباً تم اختيارهم حسب شروط ومواصفات محددة، وقد اقتدى به خلفاؤه من بعده حيث التزم بها أبو بكر الصديق وعمر وعثمان أجمعين، ومن هنا تعد الشورى مبدأ أساسياً للإدارة في الإسلام يلزم اعتباره والأخذ به على مستوى كافة التنظيمات صغيرها وكبيرها.
إن من واجب القائد المسلم أن يستشير أهل الرأي والخبرة، لكنه غير ملزم بآراء الآخرين إذا وجدها غير سديدة، ودليل ذلك أن أبا بكر استشار أصحابه في قتال المرتدين وكان رأيهم مخالفاً لرأيه وهو عدم قتال المرتدين، لكنه لم يأخذ برأيهم وأعلن الحرب على المرتدين حتى أذعنت العرب للحق .
يجب أن يتمتع المستشار بمجموعة من الصفات كما وردت على لسان المرادي في كتابه "الإشارة إلى أدب الإدارة" وهي:
1. العقل والفطنة، وفي هذا يقول المرادي: "أن الأحمق الجاهل إذا استشرته زادك في لبسك، وأدخل عليك التخليط في رأيك، ولم يقم بحقوق نصحك".
2. المحبة الخالصة والقوية النقية، وفي هذا يقول المرادى، إذا كان المستشار محباً أمنت من غشه، واجتهد لك في نصحه، ونظرك في أمرك بجميع أجزاء قلبه.
3. الحفظ للأسرار والمعلومات.
ومن أخلاق المستشار كما يرى المرادي ما يلي:
1. ألا يخون رأيه، أو يقصر من جهده.
2. أن لا يكثر من الافتخار برأيه والتسفيه برأي غيره.
3. أن يدرك أن قبول المستشير لرأيه ليس ملزماً.
4. ألا ينتحل آراء الآخرين، لأن ذلك من سوء الأدب وهو مسبب للذم على ما فيه من الكذب، وألا يحزن إذا ما انتحل الآخرون رأيه، لأن في ذلك قوة له.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق