الجمعة، 29 أبريل 2016


من عوائق البحث العلمي والتطور

ومن عوائق البحث العلمي التي تجعل الأستاذ الجامعي يمضي سنوات وسنوات بعد حصوله على الدكتوراه وهو لم يقدم محاضرة عامة، ولم يشترك في ندوة علمية، ولم يدخل الإذاعة لا معداً أو مقدما ًولا حتى ضيفاً. ولم يعرف طريقه إلى التلفاز فربما كان الكثيرون مصابين بالرهبة من الكاميرا. إن هؤلاء كثر بيننا مرت عليهم عشرات السنين دون أن يفكروا في التقدم للترقية العلمية أو لا يعرفهم أحد خارج قاعات المحاضرات. وبالمناسبة فكانت عمادة البحث العلمي تعد قاعدة معلومات عن الأساتذة في جامعة الإمام فمر بي عدد من الأساتذة من أمضوا أكثر من عشر سنوات وبعضهم أكثر من خمس  عشرة سنة دون أن يقدم بحثاً واحداً علمياً بعد الدكتوراه.

وأول هذه العوائق زيادة الأعباء التدريسية فهناك الأستاذ الذي يكلف بتدريس أربعة إلى خمسة مقررات في الفصل الواحد، ويكون عدد الطلاب عنده بالمئات حتى إن من الطرائف أن الأستاذ قد يحتاج إلى سيارة نقل لحمل أوراق امتحانات بعض المواد. وليت الأمر يتوقف عند هذا الأمر فإن الأستاذ يكلف أحياناً أن يدرس مواد في غير تخصصه، وكأن الدكتوراه معناها القدرة على تدريس أي شيء. أو يرى بعض الأساتذة أن هذه المادة خاصة به، أو أنه ورثها كابراً عن كابر فيدرسها فصلين أو ثلاثة حتى يدرسها عدة سنوات فلا يضيف سطراً ولا يقرأ شيئاً يطور معرفته بمجال تلك المادة بينما الأصل أن تتطور المادة من فصل إلى فصل وتتغير الفقرات ويكون الأستاذ نشيطاً حيوياً في كل فصل لا أن يموت ويموت معه الطلاب.

ومن عوائق البحث العلمي الرئيسة عدم توفر المراجع والكتب الحديثة، فكم كتب الأساتذة من قوائم بالكتب الحديثة التي يرغبون أن تتزود بها مكتبة الجامعة (في أكثر من جامعة) ويمضي العام والعامان ولم يصل من الكتب شيء. وحتى مع وجود الإنترنت فلا بد من الاستعانة بالأساتذة المتخصصين للإرشاد إلى الكتب التي تستحق الاقتناء. ويأتي مع الكتب التزود بالدوريات فإن البحث العلمي الحقيقي لا يمكنه الاستغناء عن الدوريات فأين الدوريات في مكتباتنا الجامعية؟ وأين الاشتراك فيها عن طريق الإنترنت؟

وبالنسبة للمكتبات فأذكر أن جامعة برنستون التي تملك أكبر مكتبة مفتوحة جامعية في الولايات المتحدة الأمريكية وربما في العالم اضطرت أن تعاني من عجز تجاوز المليون دولار عام 1988م (1408هـ) بسبب التوسع في المكتبة التي تملك الرفوف المتحركة حتى تستطيع أن تستوعب أكبر عدد من الكتب في المساحة المتاحة.

      ومن عوائق البحث العلمي استنفاد طاقة الأستاذ الجامعي في بعض جامعاتنا بأعمال إدارية أو مراقبة الطلاب في الامتحانات حتى إن الأستاذ ليكلف أحياناً بالمراقبة ثمانية أيام يضطر للوقوف ثلاثة ساعات في كل يوم بالإضافة إلى الوقت المهدر في الحضور إلى الكلية والعودة يومياً، وقد كتبت ذات مرة عن هذا الأمر في صحيفة المدينة المنورة  بعنوان: "إننا نهدر وقت الصفوة" فهل المراقبة عشرين ساعة بالإضافة إلى وقت المواصلات وغيرها مما يفيد البحث العلمي؟

إننا بحاجة ماسة للاهتمام بالبحث العلمي فإن الأمة لا يمكن أن تنهض بجد إن لم تستفد من طاقات علمائها والمتخصصين فيها. كما أن السؤال عن أين إنتاجك العلمي ينبغي أن يتأخر قليلاً أو لا بد أن نوفر الظروف المناسبة للأستاذ لينتج ثم نسأله أين إنتاجه؟

ولا بد أن أذكر أن من أخطر معوقات البحث العلمي الفاقة أو الحاجة التي يعيشها كثير من أساتذة الجامعات عندنا. لا أريد أن أعيد  تفاصيل ما كتبه الدكتور سالم سحاب قبل أكثر من عامين عن رواتب المدرسين وكيف أنها ضئيلة بالمقارنة برواتب المدرسين في الدول المجاورة. فيكفي أن نجري دراسة على ما يسمى التسرب من الجامعات إلى خارجها لوجدنا أننا أمام معضلة حقيقية. وقد كتب سلفنا الصالح عن مهمات الدولة فذكروا منها أن توفر لكل صاحب مهنة من يخدمه أو يساعده فتذكرت حال الأستاذ الجامعي عندما يشرع في بحث علمي كم يحتاج من مساعدة و لا يجدها في الغالب. بل إن بعض الأقسام لا توفر الخدمات الأساسية من مراجعة بعض الدوائر الحكومية أو إرسال بريد الأستاذ الخاص وغير ذلك من الحاجات الأساسية.

 

وأنشأنا إدارات ذات اسم ضخم (الإدارة العامة لشؤون أعضاء هيئة التدريس والموظفين) وإذا احتاج الأستاذ القيام بطلب أمر إركاب قيل له أنت الآن مراسل بدرجة أستاذ فيبدأ الطواف على المكاتب ليجمع التوقيعات، والموظف العظيم في شؤون أعضاء هيئة التدريس يصدر له الأوامر، والله إنه لأمر مخجل أن يأمر موظف أستاذاً أكبر منه سنّا وعلما ومقاماً، ولكن هذه حال شؤون أعضاء هيئة التدريس. لقد كانت الخطوط السعودية (عملت فيها 1394-1406هـ لا تضطر الموظف  أن يخرج من مكتبه لأي عمل سواء كان في الكهرباء أو الماء أو تسديد الفواتير –قبل الشبكات- أو تقديم الطلبات للاستقدام أو التأشيرات للسفارات والخارجية وغيرها- ولكن المراسل يخدم العميد وربما من هو أعلى من العميد أما الأستاذ فيقال له اخدم نفسك بنفسك. وقد وصلني كتاب هدية من أستاذ بجامعة ليدن مرسل عن طريق بريد الجامعة، فالجامعة تحملت تكاليف إرسال كتاب هدية. وقد راسلني برنارد لويس في أوراق جامعة برنستون وعن طريق بريدها فهل يحلم أستاذ أن يرسل رسالة علمية عن طريق بريد الجامعة، لقامت الدنيا وما قعدت ولسمع خطباً في الحلال والحرام.

ومن معوقات الإنتاج –الذي يسأل عنه الأستاذ- توفير المنح البحثية والموافقة عليها إن حصل عليها الأستاذ. فقد علمت من أساتذة جامعات في مختلف البلاد العربية يحصلون على منح من جامعات أجنبية وحتى جامعة الملك فهد توفر لأساتذتها مثل هذه الفرص بينما تحرم جامعات أخرى أساتذتها من هذا الأمر. أو تكون الإجراءات الطويلة مضيعة للوقت فتضيع المنح، وقد ضاعت مني منحة من المجلس الثقافي البريطاني هذا الصيف

ولا بد من الإشارة إلى  أسلوب التعامل بين المسؤولين في الجامعات وأعضاء هيئة التدريس فمن العيب أن يكتب الأستاذ لمسؤوله عدة خطابات ولا يرد عليه، أو يطلب موعداً للقائه فيقال له احضر مع الجمهور،- قد قلت في برنامج ساعة حوار "كم هو مذل للأستاذ أن يمشي خلف مدير الجامعة بعد صلاة الظهر ليقابله مع الجمهور- ألا يعلم المسؤول أن هذا المنصب ليس ثابتاً وقد يحتاج إلى زميله الذي رفض مقابلته أو الرد على رسائله، وقد صرّح مسؤول في رتبة وكيل جامعة بالقول: "أن من حقنا أن لا نرد" ، فيا لها من غطرسة؟؟؟ وأضاف المسؤول نفسه بالقول: "إن عدم الرد معناه عدم الموافقة"!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق